اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

133

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

« وكانت للخلفاء العباسية جواسيس من الرجال والنساء وكان عبد اللّه الشهير بسيد غازي يتجسس الأخبار من بلاد الروم عشرين سنة وكان سأله هارون الرشيد عن عجائب الأمور فكان يخبره كما حكى الإمام الدمشقي في فضايل الجهاد » 82 . واستنادا إلى سمعة فرين العلمية ثبتت هذه القصة في الدوائر العلمية وتناقلها عدد من العلماء ابتداء من رينو 83 . ومن المؤكد أن العرب كانت لهم جاسوسيتهم المنظمة في ذلك العهد خاصة في آسيا الصغرى بالذات ؛ لكن هذه القصة التي لفت إليها الأنظار فرين لا تثبت عند التمحيص ، فهي أولا ترجع - - إلى مصدر متأخر جدا لا يمكن اعتباره مصدرا موثوقا به فقد نقل فرين هذه القصة عن مخطوطة « رسالة الانتصار » 84 التي يبدو أنها من عمل المؤرخ البوسنوى على دده ( المتوفى عام 1007 ه - 1598 ) 85 من أواخر القرن السادس عشر الذي تستند شهرته أساسا على مصنف نقلي له أصاب نجاحا ملحوظا في القرون الثلاثة الأخيرة ولكن قيمته التاريخية كما أثبت أحد المتخصصين في فن التاريخ لدى العثمانيين « لا تساوى شروى نقير » 86 ؛ أضف إلى هذا أن ذكر اسم عبد اللّه سيدي غازي يدل على أننا أمام رواية أخرى للأسطورة المعروفة عن سيد البطال بطل الملحمة العربية - التركية . والشخصية التاريخية الواقعية التي صيغ حولها هذا الموضوع الأدبي ترجع إلى منتصف القرن الثامن وترتبط بحملات الأمويين العسكرية على آسيا الصغرى ، وقد لقى عبد اللّه البطال مصرعه في معركة ضد البيزنطيين عام 122 ه - 740 87 ، ولم تلبث أن زحزحت الفترة التي عاش فيها إلى نهاية القرن العاشر لتتفق مع تطور الملحمة ؛ ثم تم ربطه بشخصية الرشيد الأسطورية لدى على دده حيث يظهر البطل في دور لا تسنده أية وقائع تاريخية صحيحة . ولعله ليس من محض الصدفة أن تقترن باسم حفيد الرشيد وهو الخليفة الواثق ( 227 ه - 232 ه - 842 - 847 ) سلسلة من الرحلات والبحوث الخاصة بالجغرافيا ، بالرغم من أن الباعث إليها في بعض الأحيان كان مجرد عوامل خيالية بحتة . واثنان منها قد أخذ فيهما طرفا بأمر من الخليفة الواثق رياضى شهير هو محمد بن موسى ( توفى عام 259 ه - 873 ) 88 . ولا يوجد ميل في الآونة الحاضرة ليبصر في هذا اسم الفلكي المشهور محمد بن موسى الخوارزمي 89 ناشر بطلميوس المعروف لنا جيدا ؛ وكان البعض قد نادى بهذا الرأي من قبل . أما الرحلة الأولى فقد توجهت بعد الحصول على موافقة إمبراطور بيزنطة إلى آسيا الصغرى لفحص كهف الرقيم بين عمورية Amorium ونيقية Nicaea . ومما هو جدير بالملاحظة أن محمد بن موسى رفض أن يرى في الجثث المحنطة أهل الكهف الوارد ذكرهم في القرآن . والظاهر أن قصة الرحلة قد نالت بعض الانتشار حتى أثناء حياته ، إذ يرويها لنا ابن خرداذبه 90 بألفاظ المؤلف نفسه ، وهي موجودة في ترجمة روسية 91 ؛ كما يرويها لنا أيضا السرخسي وبألفاظ المؤلف كذلك ، وروايته موجودة لدى المسعودي 92 . ويميل علماء اليزنطيات المعاصرون إلى اعتبار هذه الرحلة واقعة تاريخية صحيحة 93 . أما الرحلة الثانية - - التي شارك فيها محمد بن موسى بأمر الخليفة